من دون وظيفة ” قصه قصيرة … من كتاب ” يوميات مسافر “… للأديب والكاتب الروسي” أنطون تشيخوف ” .

من دون وظيفة ” قصه قصيرة …
من كتاب ” يوميات مسافر “…
للأديب والكاتب الروسي” أنطون تشيخوف ” …
نشرت القصة لأول مرة عام ” 1885م “…
(29 يناير 1860م – 15 يوليو 1904م) …
أنطون بافلوفيتش تشيخوف. طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي كبير ينظر إليه على أنه من أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التاريخ، ومن كبار الأدباء الروس.
اْحداث القصة
جلس “بيريبيولكين” المرشح في العلوم القانونية في غرفته بالفندق وكتب ما يلي:
..عمي العزيز “إيفان نيكولايفيتش”!… فليأخذك الشيطان أنت ونصائحك العملية ورسائل التوصية التي زودتني بها !
أفضل ألف مرة وأشرف لي وأكثر إنسانية البقاء دون عمل وعقد الآمال على مستقبل ضبابي من أن أُلزم في الخوض في الدناءات الكريهة التي تدفعني إليها برسائلك ونصائحك.
وأشعر بالغثيان إلى حد لا يطاق كإنني تسممت بالسمك. غثيان دماغي شنيع لا يمكن التخلص منه لا عن طريق الفودكا ولا النوم ولا عن طريق المناجاة الروحية.
تعلم يا عمي، بالرغم من إنك رجل مسن إلا إنك بهيمة حقيقية. ! لماذا لم تحذرني
من إنني سأضطر إلى خوض هذه المعاناة البغيضة؟ عيب!.
سأصور لك بالتسلسل كافة مصائبي. إقرأ وأنب نفسك!:
قبل كل شئ، توجهت بخطاب التوصية الذي كتبته إلى “بابكوف”. أدركته في مكانه في إدارة هيئة (ن) للسكك الحديدية.
كان هذا العجوز الصغير الأصلع تماما ذو وجه أصفر رمادي وحليق وفم معوج. كانت
شفته العليا تنظر نحو اليمين والسفلى نحو اليسار. كان يجلس ويقرأ جريدة على طاولة منفردة.
كانت تجلس من حوله نساء، كما تجلس الآلهة حول “أبوللو” في قمة”بارناس”على مقاعد عالية يحملن كتبا سميكة ويرتدين ثيابا زاهية وأساور كبيرة وفي أيديهن مراوح يدوية. كيف تتمكن هؤلاء النسوة من التوفيق بين الشياكة في المظهر وراتب النساء المتواضع؟! من الصعب فهم هذا. إما إنهم يعملون هنا مضيعة للوقت، هكذا على مزاجهم بتوصية من الآباء والأعمام وإما إن لدى المحاسبة هنا صندوق خاص للعاطلين.
وعلمت فيما بعد إنهم لا يعملون أبدا وإن واجباتهم تلقى على أكتاف موظفين صامتين من خارج الملاك، الذين يتقاضون 10 – 15 روبلا شهريا. سلمت رسالتك لـ”بابكوف” ومن دون أن يدعوني للجلوس، رفع نظارته
ببطء وفتح المغلف ببطء أكثر وبدأ بالقراءة.
-“عمك يطلب لك وظيفة
-قال وهو يحك صلعته -لا توجد لدينا شواغر ولن تكون في المستقبل القريب،
لكن على أية حال سأسعى من أجل عمك… سأتحدث بذلك مع مدير هيئتنا، قد نجد شئ ما”.
كنت سأطير من الفرح وكنت سأتحفه بسيل من كلمات العرفان لو لا إنه ، يا أخي، أسمعني فجأة هذه
العبارة:
-” لكن أيها الشاب لو إن الوظيفة كانت لعمك شخصيا كنت سأعفيه من الدفع وبما إنها لك فذلك … أنا واثق من إنك…سـ…ستكافئني كما يجب…هل فهمتني؟.
لقد نبهتني بإن الوظيفة لن تعطى مجانا وإن علي أن أدفع، لكنك لم تنطق بحرف واحد عن إن هذا البيع والشراء سيتم بشكل علني دون خجل أمام الناس …والنساء! آه يا عمي يا عمي! إن الكلمة الأخيرة التي نطق بها “بابكوف” باغتتني وأوشكت فيها على الموت من الغثيان وخجلت كإنني أنا الذي أستلم الرشوة.
لقد إحمر وجهي وتمتمت بترهات وتراجعت نحو المخرج وعيون عشرين إمرأة مسلطة نحوي، ولحقت بي إحداهن غائرة الخدين ووجه عابس وهمست في إذني وقالت بإنه يمكن الحصول على وظيفة من دون”بابكوف”.
“إعطني خمس روبلات سأدلك على”ساخار ميدوفيتش”. مع إنه غير موظف لكن بإمكانه العثور على وظائف ولا يطلب كثيرا لقاء ذلك: نصف راتب السنة الأولى فقط!”.
كان علي أن اسخر وأستهزئ لكني شكرتها مرتبكا ونزلت الدرج كالدجاجة المنتوفة. بعد”بابكوف”
توجهت إلى “شماكوفيتش”. كان هذا السمين المنتفخ ذو وجه أحمر وبشوش وعينان زيتيتان صغيرتان.
كانت عيناه الصغيرتان مفرطتان بالحلاوة إلى حد يخيل إليك بإنهما مصبوغتين بزيت الخروع.
عندما علم بإنك عمي فرح للغاية إلى حد بدأ يصهل بلذة. ترك أشغاله وباشر في سقي بالشاي .
رجل لطيف! كان يحدق في وجهي طيلة الوقت ويفتش عن نقاط التشابه بيننا. تذكرك ودموعه تنهمر من عينيه وعندما ذكرته بهدف زيارتي ربت على كتفي وقال:
“سنمل، بالتأكيد من الحديث عن الموضوع .
العمل ليس عصفورا يفر من أيدينا. أين تتناولون طعام الغداء؟
بما إن لا فرق لديكم فلنذهب إلى مطعم”بالكين”! وسنتحدث هناك “.
ارفق لك مع خطابي ورقة حساب المطعم. لقد أكل وشرب”شماكوفيتش” بمبلغ 76 روبلا .إتضح إن صاحبك يحب الأكل جدا.
أنا الذي دفعت المبلغ بالطبع. ومن ثم جرني من مطعم “بالكين” إلى المسرح وأنا
الذي إشترى التذاكر. ماذا بعد؟ بعد المسرح عرض علّي صاحبك اللئيم التنزه خارج المدينة لكني رفضت ذلك لإن نقودي كانت على وشك النفاذ.
وعند الوداع حملني”شماكوفيتش” تحياته إليك لأبلغك بإنه لا يستطيع إيجاد وظيفة لي إلا بعد خمسة أشهر.
” لن أجد لك وظيفة عن قصد !”
– قال مازحا وهو يربت على بطني بعطف.
– ومن ثم لماذا تصرون أنتم
الجامعيون على العمل في شركتنا؟ بإمكانكم، واالله ، العمل في هيئة حكومية!”
-“أعلم بوجود وظائف حكومية من دون أن تخبرني بذلك و لكن أين هي هذه الوظائف؟”.
ذهبت بخطابك الثالث إلى عرابك”خالاتوف” في إدارة سكك حديد (جيفوديورو-خامسكي). وهنا حدث
أمر فظيع ودنيء يفوق أمر “بابكوف “و “شماكوفيتش” معا. أُكرر: فليأخذك الشيطان!أشعر بالغثيان إلى حد
مقيت وأنت المذنب في ذلك…لم أتشرف برؤية صاحبك”خالاتوف” !إستقبلني شخص آخر إسمه
“أوديكولونوف”. كان نحيفا كالوتر وذو وجه أرقط وملامح رجل منافق.
عندما علم بإنني أبحث عن وظيفة دعاني للجلوس وقرأ لي محاضرة كاملة عن الصعوبات التي تحدث الآن للحصول على وظيفة .
وبعد المحاضرة وعدني بإنه سيبلغني بالأمر وسيسعى من أجل ذلك وسيتحدث بشأني وإلخ… تذكرت نصائحك حول إعطاء النقود في كل الأماكن المتاحة.
حين وجدت بإن الرجل المنافق مستعد لتقبل الرشوة دسست في قبضته النقود
و أنا أودعه…هزت يده السمينة أصابعي وبانت أسنان المنافق وإنهالت علي الوعود مرة أخرى… لكن
“أوديكولونوف” تطلع من حوله فوجد أناس غرباء من خلفه كان بإمكانهم ملاحظة المصافحة . إرتبك المنافق
وتمتم:
-“أوعدك بوظيفة لكن…لا أتقبل الشكر…كلا..كلا! أعيدها إليك ! كلا .. كلا ! إنك تسئ إلي…”.
و من ثم أرخى قبضته ورد لي النقود ولكنه رد لي ورقة من فئة الثلاث روبلات بدلاً من الورقة فئة الخمسة والعشرين روبلا التي دسستها له ! يا لها من خدعة؟ يخيل إلي إنه يجب أن يكون لدى هؤلاء الشياطين نظام
معقد من اللوالب والخيوط في الأكمة وإلا لا أفهم كيف تحولت ورقة الخمسة والعشرين إلى ثلاث روبلات
تافهة.
بدا لي صاحب الخطاب الرابع “غريزودوبوف” إلى حد ما نقيا وشريفا.
كان ما يزال شابا وسيما وأنيقا ذي طلعة بهية. إستقبلني بشيء من الكسل والتردد ولكن بلطف. علمت
من الحديث إليه بإنه أنهى دراسته الجامعية وإنه أيضا عانى وقتئذ من أجل لقمة العيش مثل السمكة التي تصارع الجليد.
لقد تعاطف كثيرا معي سيما وإن حلمه الأول هو التعرف إلى الموظفين المثقفين…
لقد زرته ثلاث مرات ولم يخبرني في المرات الثلاث بشيء معين.
كان يغمغم ويتلوى ويتفادى الإجابات المباشرة كإنه يخجل أو إنه غير حاسم…
لقد وعدتك بأن لا أكون رومانسيا.
لقد أكدت لي إن كافة المحتالين، عموما، لهم طلعة بهية
وهيئة فرسان متعجرفين… قد يكون ذلك صحيحا ولكن جرب أن تميز المحتالين عن الشرفاء. ستحتار أشد الحيرة…
لقد زرت اليوم “غريزيدوبوف” للمرة الرابعة…كان يتلوى ويغمغم كالسابق ولم يقل لي شيئا
محددا…وأوشكت على الإنفجار…لقد مسني الشيطان فتذكرت قسمي لك بإنني سأعطي الرشوة للجميع دون إستثناء.
وكأن أحدهم هزني من مرفقي…قررت المجازفة وتقديم الرشوة مثل الذي يريد الغوص في ماء بارد أو القفز من مرتفع..
– آه.فليكن ما يكون!
– قررت ذلك
– بالإمكان إختبار ذلك مرة أخرى في حياتي.
لقد قررت المجازفة ليس من أجل الوظيفة فحسب وإنما من أجل أحاسيس جديدة ومعرفة و لو مرة واحدة في حياتي تأثير “العرفان”على الناس الشرفاء.
لكن “أحاسيسي “ذهبت إلى الشيطان. لقد قمت بذلك من دون حرفية وبتصنع.
لقد سحبت من جيبي ورقة نقدية وإنتهزت فرصة أن يشيح”غريزودوبوف” بوجهه عني
ووضعتها على الطاولة وأنا محمر الوجه .. ومن حسن حظي وضع”غريزودوبوف” بعض الكتب على الطاولة
وغطى تلك الورقة النقدية.. فشلت في ذلك..لم يرى “غريزودوبوف” الورقة…لقد إختفت بين المستندات أو ربما يسرقها الخدم فيما بعد…وإذا رآها سيغضب…هكذا يا عمي…لقد ضاعت النقود ويؤنبني ضميري! أما
أنت فما زلت مع نصائحك العملية اللعينة ! لقد أفسدتني … سأنتهي من كتابة الرسالة لإن أحد ما يرن
الجرس…
سأذهب وأفتح الباب…
إستلمت الآن رسالة من “غريزودوبوف” يقول فيها إنه يوجد شاغر في إدارة رسوم البضائع براتب قدره
60 روبلا شهريا ……. هذا يعني بإنه وجد العملة الورقية!…
Shopping Cart