صحيفة نوفل فلكس:القارئ الشبح

إذا سألت ماهي تفضيلات معظم القراء الآن؟ ستكون الإجابة حتماً الرواية، ولكن مثل هذا السؤال ليس أكثر من خداع، فهو يوحي بأننا أمام قاعدة ضخمة من القراء، أما الإجابة فمخادعة بدورها، تنتمي إلى ثقافة إجابات منجزة اسهم فيها نقاد، وإعلام ثقافي، وجوائز، ودور نشر، أي تغيب عنها البيانات الإحصائية للقراء الفعليين، ولا تقدم تفسيراً لظاهرة الرواية التي يراد لها الآن أن تكون دلالة على ثقافة تكتب، وتطبع، وتنشر، أي ثقافة مزدهرة، ولكن الواقع ربما يكون بخلاف ذلك.

ينطلق السؤال السابق من مفردة، قرّاء، ولكن من هو القارئ العربي، ما هي مواصفاته وملامحه: الخلفية الاجتماعية، والشريحة العمرية..الخ، إلى آخر تلك الأسئلة المعلقة التي تنتظر بيانات لم تتطوع إحدى مؤسساتنا الثقافية لتحاول الحصول عليها، إذاً، من أين عرفنا أن معظم القراء العرب يفضلون الرواية، هل من تلك الأرقام التي تزين الكثير من أغلفة الروايات، ويقول بعضها إن عدد طبعات هذه الرواية وصلت إلى عشرين طبعة؟ هذا إذا تجاهلنا الأرقام المستفزة، الطبعة الأربعين، ولكن ما لم يخبرنا به الناشر هو عدد النسخ من كل طبعة، وتلك خديعة للقراء، فبعض الناشرين لا يطبع من كل طبعة جديدة أكثر من خمسمئة نسخة، والكثير من هذه الروايات، الأشبه بالطوفان، لا نجد لها متابعات في الصحافة الثقافية، وإذا ذهبنا إلى موقع «جود ريدز»، مثلاً، لنقرأ عن إحدى الروايات سندخل في جدل طويل حول تقييم آراء قراء الموقع، هم في الحقيقة ليسوا نقاداً، ولا يُطلب منهم ذلك، ولكنك ستفاجأ في بعض الأحيان بذائقة قرائية، غريبة تحتاج إلى توقف ودراسة.

نعود مرة أخرى لتمعن الإجابة، كيف عرفنا أن معظم القراء يفضلون الرواية، طالما أننا أمام قارئ، شبح من منظور علمي، وناشر يمارس الخداع أحياناً؟ ولكن قبل أن نغادر مفردة الناشر، ربما يداعب أحدهم سؤال: إذاً، لماذا يقبل الآن العديد من الناشرين على طبع الرواية، بل وترجمتها؟ هنا لابد من سؤال الناشرين عن أرباحهم من البيع، وهي مسألة لم يعلن عنها أحدهم، ولم يدرسها باحث وفق منهج علمي.

 إن معظم الناشرين يخسرون من البيع، وهنا علينا ألا ننسى أننا نعيش مناخ الكتب المتاحة مجاناً على الشبكة، فقد يحقق هذا الناشر أو ذلك بعض الأرباح في معارض الكتب، أو يحصل على مبالغ ما مقابل النشر، ولكن الهدف الأكبر يتمثل في الجوائز العديدة المخصصة للرواية في حالة التأليف، والناشر يحصل على جزء من قيمتها المادية، فضلاً عن الشهرة والمكانة التي ستحققها الدار، وهناك أيضاً الدعم الحكومي والمؤسسي في حالة الترجمة.

صورة ناقصة

الصورة تظل ناقصة، ولا تكتمل إلا بسؤال لماذا لا يحظى الشعر، أو الفكر، أو الفلسفة، أو العلوم، بإقبال مماثل؟ وهو سؤال مخادع بدوره، نتيجة لمخاتلة الإجابة الأولى التي توحي بأننا أمام قاعدة ضخمة من القراء، لابد أن تؤدي، في الحالة الصحية، إلى توزيع القراء على مختلف حقول القراءة، حتى لو حظي هذا الحقل، أو ذاك بنسبة إقبال أقل.

علينا في الحالة العربية أن نسقط حقل العلوم من تفضيلات القراء، نتيجة لعوامل عدة، وعلينا أن نعود عدة عقود إلى الوراء، حيث كانت هناك عدة دور نشر متخصصة في الفكر والشعر، ولكنها توجهت بدورها إلى الرواية. لقد تراجع الشعر لأسباب عدة يأتي على رأسها تدهور التعليم، العربي أولاً، أما التعليم الأجنبي فلا ينتظر منه النهوض بالشعر العربي، وواقع مجتمعي سردي، حيث الرغبة في الحكي باتت تطال الجميع، أما الفكر فقد وصل إلى أزمة في نهايات القرن الماضي، ولم يعد لدى المفكرين العرب ما يطرحونه، وهنا علينا ملاحظة أن بعض المفكرين والشعراء توجهوا خلال العقدين الماضيين إلى كتابة الرواية، للأسباب نفسها التي دفعت الناشر: الجوائز، الشهرة، تحويل الرواية إلى عمل سينمائي، ويأتي القراء في ذيل القائمة، فالحقيقة أنه لا يمكن أن يخدعنا الحديث عن اكتساح الرواية، لنعتقد أن هناك قاعدة ضخمة من القراء.

لا توجد في الحالة العربية مثل هذه القاعدة، ولذلك لن يستطيع أي روائي عربي، أن يحقق ثروة، أو استقلالاً مادياً، مثل ستيفاني مايرز، مؤلفة سلسلة الشفق، أو جي كي رولينج، كاتبة هاري بوتر، أو ستيفن كينج..الخ، هنا ربما يعترض أحدهم، من منطلق تنظيري نخبوي، قائلاً: هؤلاء كتاب رواية شعبية، ولكنهم يمتلكون قاعدة قراء، لا تتوافر لدينا حتى مع اتجاه الكثير من روائيينا الآن إلى إنتاج نصوص تقترب كثيراً في مناخاتها ولغتها من الرواية الشعبية.

هناك أسماء عدة تكتب الرواية الشعبية الآن، ولم تستطع تحقيق الجماهيرية المأمولة، أما من يتمتعون بحس تنظيري نخبوي، فباتوا يكتبون روايات على مقاس الجوائز والسينما والولع بالحكي، أما محاولة التجريب في الرواية، أو كتابة رواية تطرح أسئلة وتثير التفكير، أو التجديد في الشكل الروائي، فكلها أحلام، ولكنها حدثت من قبل.. في زمن لم تكن الرواية فيه سيدة المشهد.

مقارنات

ربما يعيدنا هذا الزمن، إلى التفكير في قاعدة القراء مرة أخرى، هل يمكن القول إن تلك القاعدة كانت متسعة في يوم ما، فأنتجت جمهوراً للشعر والفكر والرواية أدى إلى ازدهار ثقافي في مختلف الحقول؟ البيانات تغيب أيضاً عند محاولة المقارنات التاريخية، ولكن الوضع كان في مراحل سابقة أفضل بكثير، حيث كان الكتاب وسيلة تثقيف أولى لدى البعض، أو حتى لتقضية أوقات الفراغ لدى البعض الآخر، الأهم من ذلك أن وسائل الإعلام كانت تضع فكرة التثقيف على رأس أولوياتها، صاحبَ ذلك حراك نقدي نشط، وأفكار صاخبة طرحها الجميع للنقاش.

إذا تركنا مسألة قاعدة القراء هذه، وذهبنا إلى النقد مثلاً، لنسأله عن روح وملامح الرواية السائدة حالياً، فلن نجد إجابة شافية، أي أن الناقد-المؤرخ الذي رصد سمات واضحة للرواية في بدايات النهضة العربية، أو خلال حقب الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن العشرين، حائر، أو صامت، أو عاجز عن إدراك تيار عام ينتظم فيه السيل الروائي الراهن، ولكل من الصمت والحيرة والعجز دلالة تؤشر إلى طبيعة المناخ الثقافي السائد.

بعد أن يدرك المتابع أنه لا يستطيع الوصول إلى إجابة موضوعية تتعلق بسؤال «زمن الرواية»، نظراً ل«القارىء الشبح»، و«الخرس النقدي» المميز لذلك الزمن، ربما يلجأ إلى الذائقة الشخصية. ولا ذائقة من دون ذاكرة، وأبسط تعريف للأدب الجيد، بعيداً عن أي تنظير، هو ذلك الذي يعلق في الذاكرة، حيث تحضرنا شخصيات، وأحداث وحوارات روائية في مختلف مواقف حياتنا، وهنا لا فرار من سؤال يطرحه قارئ عاشق للرواية: هل استطاعت رواية صادرة خلال العقدين الأخيرين، على الأقل، أن تؤرقكم، ومن ثم تحتل ذاكرتكم؟

المصدر صحيفة نوفل فلكس

Shopping Cart