تناقضات النفس البشرية والوعي في رواية نهاية رجل شجاع

 

عن الرواية

تحكي الرواية حياة فتى يدعى مفيد، ابن لفلاح بسيط، غير المبالي، كان يستخدم أعنف وسائل الضرب في تربيته، وفي أحد الأيام عندما كان مفيد في الـ 12 من عمره، قطع ذنب حمار أحد الفلاحين، فقامت الدنيا ولم تقعد في «الضيعة»، فربطه والده بالحبال، ثم انهال عليه ضرباً بالكرباج، ولم يكتف بذلك، بل تم ضربه «فلقة» أمام رجال الضيعة ونسائها وصغارها، ما سبب له أذى نفسياً، هرب على إثرها من البيت. كان مفيد يملك جسداً عملاقاً، خُلق للشجار والعراك وتحمل الأثقال، ولكن عقله كان فارغاً، عندما هرب من البيت، تشرد بين الطبيعة والمزارع، ونصحه قريب أمه «إبراهيم الشنكل» بنسيان الماضي، وترك الشقاوة، وبدء حياة جديدة في مكان لا يعرفه أحد، فذهب إلى المدينة.

التقى بصديقه «عبدوش»، وهو فتى مشاغب هرب أيضاً من قريته، وأصبح يعمل خبازاً، وساعد مفيد كثيراً على الاستقرار، ودبر له عملاً معه، حتى جاء يوم وتعاركا مع العدو الفرنسي في أحد المقاهي، وعلى إثرها تم رميهما في السجن مدة سنتين، وكان حينها مفيد في الـ 18 من عمره، في السجن تعلم مفيد معنى أن يكون رجلاً مستقيماً، حيث ساعدته صحبه السجناء الثوار والسياسيين على تعلم القراءة ليبدأ في استخدام قوته في أعمال الخير.

الكاتب حنا مينه

أديب البحر حنا مينه ولد عام 1924 في مدينة اللاذقية، وعمل تحت ضغط الفقر في مهن كثيرة، من حمال في المرفأ إلى صبي حلاق، إلى صحافي، ولم يدخل أي مدرسة بعد التحصيل الابتدائي، وبدأ الكتابة منذ عام 1942، وكتب قصصاً قصيرة في صحف ومجلات سورية ولبنانية، وانتقل عام 1947 من اللاذقية، حيث كان يعمل حلاقاً، إلى دمشق وعمل في الصحافة، وكان من مؤسسي رابطة الكتّاب السوريين عام 1951.

منح مينا جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في حقل «القصة والرواية والمسرحية» الدورة الأولى 1988 ـ 1989 على مجموع أعماله الروائية مع التنويه بروايتيه «الشمس في يوم غائم» و«بقايا صور»، لما تحققه الأولى من تطور في شكل الرواية ومن مزج الواقع بالرمز والأسطورة، والذاتي بالموضوعي والفطري بالعقلاني، ولما تحققه الثانية من تطور في قوالب السيرة الذاتية، وجعلها في صورة رواية محكمة البناء، وتتميز أعمال حنا مينا كذلك بين الأعمال الروائية العربية بالاهتمام بواقع البحر، ما جعله يستخلص خصائص إنسانية وقيماً حضارية في علاقة الإنسان بالبحر في الأدب العربي الحديث.

اقتباس من الكاتب

«أين، أين؟! هناك البحر وأنا على اليابسة؟! أمنيتي الدائمة أن تنتقل دمشق إلى البحر، أو ينتقل البحر إلى دمشق، أليس هذا حلماً جميلاً؟! السبب أنني مربوط بسلك خفي إلى الغوطة، ومشدود بقلادة ياسمين إلى ليالي دمشق الصيفية الفاتنة، وحارس مؤتمن على جبل قاسيون، ومغرم متيّم ببردى، لذلك أحب فيروز والشاميات».

«الأدباء العرب، أكثرهم لم يكتبوا عن البحر لأنهم خافوا معاينة الموت في جبهة الموج الصاخب. لا أدّعي الفروسية، المغامرة نعم! أجدادي بحّارة، هذه مهنتهم، الابن يتعلم حرفة أهله، احترفت العمل في الميناء كحمّال، واحترفت البحر كبحّار على المراكب. كان ذلك في الماضي الشقي والماجد من حياتي، هذه المسيرة الطويلة كانت مشياً، وبأقدام حافية، في حقول من مسامير، دمي سال في مواقع خطواتي، أنظر الآن إلى الماضي، نظرة تأمل حيادية، فأرتعش. كيف، كيف؟!»

 

نستطيع تصنيف الرواية من الأدب البحري لا تكاد تقرأ هذه الرواية حتى تشم رائحة الملح والبحر بين يديك، ذلك النوع من الأدب الذي نادر ما نجده في الروايات العربية حيث يكون عادتاً الحوار من جانب واحد (الانسان)، لكن في المقابل نجحت الرواية في إبراز  الجانب تناقضات النفس البشرية والوعي في خلق شخصية  رجل لا يهاب أحدا لا يريد أن يذل يريد أن يعيش بشرف لا يريد أن يستخدم قوته في أعمال الشر،  لكن هناك أيضا شخصية في أوساط القهر الاجتماعي والفقر والذل والجهل التي تفقد الأنسان إنسانيته وتحوله لحيوان، أو بالأحرى وحش لا أمل له باسترجاع إنسانيته ألا عن طريق التدمير الذاتي والانتحار.

نهاية الرجل الشجاع، القراءة في هذا الكتاب جعلتني أحترم كتاب المسلسل الذي يحمل نفس الاسم، ربما الهدف من هذه الرواية هو بيان عبثية المجتمع وغرقه في العنف وانسلاخه عن العقل أو التعقل وأنه في النهاية لا يأتي لصاحبه بفائدة فالشجاعة فقط في مواجهة ما يمكننا تغييره وليست في مجرد معاندة أصحاب القوة بدون مبدأ أو خطة أو هداف إنسانية غير أنانية.

Shopping Cart